ابن كثير
237
البداية والنهاية
لمرض أصابه ، ثم شفي منه . وفي يوم الجمعة السادس عشرينه قبل العصر ورد البريد من الديار المصرية بطلب قاضي القضاة تقي الدين السبكي إليها حاكمها بها ، فذهب الناس للسلام عليه ولتوديعه ، وذلك بعد ما أرجف الناس به كثيرا ، واشتهر أنه سينعقد له مجلس للدعوى عليه بما دفعه من مال الأيتام إلى الطنبغا وإلى الفخري ، وكتبت فتوى عليه بذلك في تغريمه ، وداروا بها على المفتيين فلم يكتب لهم أحد فيها غير القاضي جلال الدين بن حسام الدين الحنفي ، رأيت خطه عليها وحده بعد الصلاة ، وسئلت في الافتاء عليها فامتنعت ، لما فيها من التشويش على الحكام ، وفي أول مرسوم نائب السلطان أن يتأمل المفتون هذا السؤال ويفتوا بما يقتضيه حكم الشرع الشريف ، وكانوا له في نية عجيبة ففرج الله عنه بطلبه إلى الديار المصرية ، فسار إليها صحبة البريد ليلة الأحد ، وخرج الكبراء والأعيان لتوديعه ، وفي خدمته . استهل جمادى الآخرة والتجريدة عمالة إلى الكرك والجيش المجردون من الحلقة قريب من ألف ويزيدون ، ولما كان يوم الثلاثاء رابعه بعد الظهر مات الأمير علاء الدين أيدغمش نائب السلطنة بالشام المحروس في دار وحده في دار السعادة ، فدخلوا عليه وكشفوا أمره وأحصروا وخشوا أن يكون اعتراه سكتة ، ويقال إنه شفي فالله أعلم ، فانتظروا به إلى الغد احتياطا ، فلما أصبح الناس اجتمعوا للصلاة عليه فصلي عليه خارج باب النصر حتى يصلى على الجنائز ، وذهبوا به إلى نحو القبلة ، ورام بعض أهله أن يدفن في تربة غبريال إلى جانب جامع القبيبات ، فلم يمكن ذلك ، فدفن قبلي الجامع على حافة الطريق ، ولم يتهيأ دفنه إلا إلى بعد الظهر من يومئذ ، وعملوا عنده ختمة ليلة الجمعة رحمه الله وسامحه . واشتهر في أوائل هذا الشهر أن الحصار عمال على الكرك ، وأن أهل الكرك خرجت طائفة منهم فقتل منهم خلق كثير ، وقتل من الجيش واحد في الحصار ، فنزل القاضي وجماعة ومعهم شئ من الجوهر ، وتراضوا على أن يسلموا البلد ، فلما أصبح أهل الحصن تحصنوا ونصبوا المجانيق واستعدوا فلما كان بعد أيام رموا منجنيق فكسروا السهم الذي له ، وعجزوا عن نقله فحرقوه برأي أمراء المقدمين ، وجرت أمور فظيعة ، فالله يحسن العاقبة . ثم وقعت في أواخر هذا الشهر بين الجيش وأهل الكرك وقعة أخرى ، وذلك أن جماعة من رجال الكرك خرجوا إلى الجيش ورموهم بالنشاب فخرج الجيش لهم من الخيام ورجعوا مشاة ملبسين بالسلاح فقتلوا من أهل الكرك جماعة من النصارى وغيرهم ، وجرح من العسكر خلق ، وقتل واحد أو اثنان وأسر الأمير سيف الدين أبو بكر بن بهادرآص ، وقتل أمير العرب ، وأسر